ولذلك ثمة سعي حثيث من قبل القاهرة والخرطوم لإيجاد حلول دبلوماسية لهذه الأزمة التي قد تكون الأعقد والأكثر خطورة في تاريخ البلدين الحديث لما لها من تداعيات خطيرة ليس على أمنها القومي بالمفهوم التقليدي وحسب بل وعلى أمنها الإنساني أيضاً.

الحلول الدبلوماسية تحتاج من القاهرة والخرطوم تعزيز أوراق الضغط لديهما وذلك من خلال التحرك لحشد أكبر دعم ممكن من المواقف للدول العربية والإقليمية والدولية الداعمة لرؤيتهما في حل الأزمة والخروج منها بأقل الأضرار. وفي هذا السياق، فمن شأن موقف عربي موحد أن يكون له تأثير جوهري على مسار التفاوض مع إثيوبيا. فصناع القرار في أديس أبابا يجب أن يروا أن مصر والسودان ليستا وحيدتين في هذا المعترك، وأن إجماعاً عربياً يصطف خلفهما، فإذا كان النيل لمصر هو ركيزة أمنها القومي، فإن ركيزة الأمن القومي العربي هي مصر.

لقد تحققت أولى الخطوات في هذا المسار مؤخراً من خلال الاجتماع الاستثنائي الذي عقده وزراء الخارجية العرب في 15 يونيو/حزيران وذلك لبحث أزمة سد النهضة. وقد كان لافتاً عقد الاجتماع في العاصمة القطرية الدوحة، وهو مؤشر مهم إلى بداية تشكل نوع من العمل العربي المشترك في مواجهة تحدّ مصيري يهدد الأمن القومي العربي. فقد كانت العلاقات بين مصر وقطر متوترة منذ أحداث الانقلاب العسكري في القاهرة عام 2013، ومن شأن عودة العلاقات بين مصر وقطر، وبين قطر وباقي الدول الخليجية التي كانت تفرض عليها حصاراً أن يؤسس لمرحلة جديدة، يصبح فيها العمل العربي المشترك قابلاً للتحقق.

وقد عكس البيان الصادر عن اجتماع 17 وزير خارجية عربي وحدة الموقف العربي. فالسودان اصطف مع مصر تماماً، في حين لم يكن لكل من جيبوتي والصومال أي تحفظات على البيان على عكس الدورة السابقة في يونيو/حزيران 2020. وقد كانت الرسالة العربية الموحدة هنا هي دعوة مجلس الأمن للانعقاد من أجل تدارس سد النهضة والخروج بحلول دبلوماسية وأدوات سياسية للضغط على أديس أبابا من أجل تليين موقفها تجاه التوصل إلى حل يرضي جميع الأطراف ولا يتسبب بأي ضرر لهم.

وفي وقت سابقاً، وتحديداً في مارس/آذار 2020، تبنت جامعة الدول العربية مشروع قرار قدمته القاهرة، يرفض أي إجراءات أحادية الجانب تنطلق بموجبها إثيوبيا في سد النهضة، هذا فضلاً عن تشكيل المجموعة العربية لمتابعة موضوع سد النهضة مع مجلس الأمن، وقد تشكلت هذه المجموعة من عضوية تونس (العضو العربي في مجلس الأمن)، والأردن والعراق والسعودية والمغرب والأمانة العامة لجامعة الدول العربية. ومن المتوقع أن تبدأ اجتماعات هذه اللجنة قريباً مع أعضاء من مجلس الأمن دائمي العضوية لإبلاغهم بالموقف المصري والسوداني من قضية سد النهضة وما يمثله من تهديد حقيقي لأمنهما المائي.

ولزيادة تكثيف الجهود الدبلوماسية، وزيادة الضغط على إثيوبيا، كانت كل من مصر والسودان قد وجهتا قبيل اجتماع وزراء الخارجية العرب رسائل إلى مجلس الأمن لشرح تطورات ملف سد النهضة، وإبداء الاعتراض على نوايا إثيوبيا المضي قدماً في الملء الثاني لخزان السد دون التوصل إلى اتفاق متعدد الأطراف بشأن ملء وتشغيل سد النهضة مع دولتي المصب.

ولا شك أن هذه الحملة الدبلوماسية المنسقة قد أثارت حفيظة إثيوبيا حيث استشعرت الضغط. فقد سارعت وزارة الخارجية الإثيوبية إلى اإصدار بيان عبرت فيه عن انزعاجها إزاء "بيان جامعة الدول العربية بشأن سد النهضة" رافضة ما ادعت أنها محاولات "فرض إملاءات بشأن ذلك"، في حين "كان الأجدر بها تشجيع التوصل لحل مُرض لجميع الأطراف"، مؤكدة أن "استغلال مياه النيل مسألة وجودية لأديس أبابا ويجب على جامعة الدول العربية أن تعرف ذلك". كما زعم البيان أن محاولات تدويل وتسييس قضية سد النهضة لن تؤدي إلى تعاون إقليمي مستدام لاستغلال وإدارة نهر النيل"، مضيفاً: "نمارس حقنا المشروع في استغلال مواردنا المائية مع الاحترام الكامل للقوانين الدولية".

الشيء المهم في هذه التحركات العربية هي أنها تصدر من إحدى العواصم الخليجية، وهذا يعني أن هذه الدول التي باتت تقترب من الموقف المصري والسوداني من شأنها أن تستثمر نفوذها الاقتصادي سواء لدى الدول الأعضاء في مجلس الأمن أو حتى على إثيوبيا من أجل تليين موقفها. وهذا ربما ما تراهن عليه القاهرة والخرطوم نظراً للاستثمارات الخليجية الضخمة في منطقة القرن الإفريقي.

وقد قال وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن، خلال مؤتمر صحفي عقب اجتماع الدوحة، بأنه قد تعمل الجامعة العربية على اتخاذ "إجراءات تدريجية لدعم مصر والسودان في الخلاف حول السد". وفي اليوم التالي من الاجتماع، أي في 16 يونيو/حزيران، أعربت دول مجلس التعاون الخليجي عن رفضها لأي إجراءات إثيوبية تمس حقوق مصر والسودان المائية.

تأتي هذه المساعي المتدرجة والمنسقة لتعكس تنامي وعي صانع القرار المصري والسوداني خصوصاً والعربي عموماً للمخاطر الناجمة عن سد النهضة وتأثيراته المستقبلية الكارثية على أمن واستقرار بلدَي المصب. وقد كان عالم الفضاء المصري عصام حجي والذي يعمل في وكالة ناسا الأمريكية قد ألمح سابقاً إلى وجود مثل هذه الفجوة عندما قال بأن "الباحثين المصريين يعانون من وجود فجوة كبيرة بينهم وبين صناع القرار السياسي وأن هناك عجزاً حقيقياً في إدراك السياسة لحجم وتداعيات أزمة سد النهضة على مستقبل مصر خلال السنوات المقبلة".

وفي بحث علمي محكّم حول التأثيرات السلبية لملء سد النهضة على مستقبل مصر والمصريين، نشرته مجلة الأبحاث البيئية البريطانية المعروفة أشرف عليه حجي، أشار إلى أن "سيناريوهات الملء الثاني الذي قد يمتد من السنة الجارية وعلى مدى السنوات المقبلة، قد يتسبب في عجز مائي لمصر يصل إلى 31 مليار متر مكعب، وهو ما يعادل 40% من الموازنة المائية السنوية ويساوي ثلث الموازنة المصرية السنوية، وأن أي نقص في الموارد المائية لنهر النيل بالنسبة لمصر يعني تقلص المساحة الزراعية ونقص عدد المزارعين، ولأن الزراعة هي أكبر مشغل لليد العاملة المصرية فإن نسبة البطالة في البلاد ستصل 25%"

لقد عشنا طوال حياتنا ونحن نسمع بأن "مصر هي النيل، والنيل هو مصر"، وإذا كانت كل القضايا قد تخضع للمساومة فإن مياه نهر النيل خارج نطاق المساومات تماماً، هذه من الأبجديات التي لا تحتاج حتى إلى لتنظير أو محاولات إثبات وإقناع.

ولذلك فإن صانع القرار في القاهرة والخرطوم مطالب بتكثيف الجهود الدبلوماسية ومراكمتها والبحث في أوجه التعاون العربي كافة كمقدمة من أجل حشد أكبر قدر من الدعم الدولي لهذه القضية المصيرية.

إن مشكلة سد النهضة لا تتوقف عند أزمة سد واحد وحسب بل سدود متعددة، فحسب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحد فإن إثيوبيا بصدد بناء العشرات من السدود الأخرى مستقبلاً وهو ما يعني أن مشكلة مصر والسودان المائية في حال عدم التوصل إلى اتفاق ملزم دولياً مع أديس أبابا ستتفاقم مع مرور السنوات، وأن خيار التساهل والتميع في الاتفاقيات لا يجدي نفعاً مطلقاً.

ترفض إثيوبيا إلى الآن إدخال الأمم المتحدة والولايات المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية والدول الكبرى على خط التفاوض من أجل التوصل إلى حل دبلوماسي، ولذلك فإن موقفاً عربياً موحداً من شأنه أن يبعث برسائل جدية إلى أديس أبابا وضرورة تليين موقفها، خصوصاً أن الموقف العربي انطلاقاً من الجامعة العربية قد يقنع بعض القوى الدولية إلى ممارسة ضغوط أكبر على آبي أحمد، لقد رأينا ذلك سابقاً عندما قام مجلس الأمن بإصدار قراره بشأن التدخل في ليبيا عام 2011 بناء على تفويض من الجامعة العربية. لا يمكن التقليل من الموقف العربي الموحد في الضغط على أديس أبابا وخلط الأوراق، وهو الموقف الذي يجب أن تراهن عليه القاهرة في الفترة المقبلة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي