إلى الشرق ونانسي


خالد فضل

في غبش الفجر خرجت أتنفس هواء الجزيرة بعد ليلة غمسها المطر في لجة البهجة والحبور، والدنيا قبايل عيد، الندى يُكلل هام الأشجار وينتثر درراً فوق أوراق النباتات الصغيرة، القطن وقد بدأ يتبرعم، العيش وهو في مرحلة (جداد) وصقّار، ثمّ غياب للفول السوداني من دورة العروة الصيفية! ولم يحل محله عباد الشمس أو فول الصويا، تلك إذاً معركة أخرى من معارك التغيير الطويلة والمتصلة.

السودانيون الآن في هذه المرحلة من مراحل البناء الوطني عليهم أن يقرروا بحزم القرار الصحيح- في تقديري- أن يكون لنا وطن، للأجيال القادمة تتباهى به وتفتخر!

في معمعة فيضانات المانيا الأخيرة، شاهدت عبر الفضائيات، كيف أنّ سكان المدن المنكوبة يتحزمون ويتلزمون، شابات ونساء وشيوخ وصبيان، يتحدثون بلغة العزم الأكيد والتصميم غير المراوغ، نعم حجم الدمار كبير، ربما نعاني لعام أو بضعة شهور من آثار الفيضانات، شح المياه أو رداءة الكهرباء، لكننا؛ وهنا بيت القصيد: مصممون على تجاوز المحنة، وإعادة إعمار ما خربه الفيضان، يقرنون القول بالعمل على إزالة الأنقاض ونظافة الدور والطرقات حتى تستعيد مدنهم ألقها بأسرع وقت فـ(هذه مدننا ولن نتخلى عنها أبداً) حسبما قال بعضهم.

تمنيت على محمد توم؛ مدير حركة المركبات الصغيرة في محطة المواصلات بمدينة الحوش، أن نتحزم كلنا كسودانيين من أجل الإصلاح، وكان الرجل الذي تربطه معي علاقة محبة ومودة وشوية نقاشات سياسية عابرة كلما ذهبت عبر محطته تلك، كان يومها محبطاً ومتضجراً من سوء إدارة الحكومة للشأن العام، ولغياب المعلومات والحقائق عن برامج الإصلاح التي تقودها الحكومة، قال لي إنتو الصحفيين عندكم المعلومات لكن نحنا نعرفا كيف، المواطن عاوز يفهم ما هي خطة الحكومة المركزية أو الولائية في الأمر الفلاني والمشروع العلاني حتى يطمئن قلبنا.

في الواقع وجدت في حجته موضوعية، أي مشروع لمصلحة الناس يجب أن يكونوا هم الطرف الأصيل فيه، الإعلام مقصّر في أداء دوره، والإعلام الحكومي ما يزال معسّم ومتأخر شوية.

المهم خرجت من الحوش صوب ود مدني ومقصدي الأخير القضارف، ما تزال أصداء نقاشات محمد توم في خاطري، ضف إليها نبرة تهكم وسخرية سمعتها من أكثر من شخص شاركونا في النقاش، هناك فيما يبدو غياب لتفهم ووعي وسط المواطنين حول موضوع الانتقال، معظم السودانيين بطبعهم يستعجلون النتائج ولا يتفحصون في المقدمات، وكل واحد منهم يعرف كل شئ ولكن مع الأسف ليس لدى الكثيرين القدرة على فعل أي شئ!!

والبص يتلوى على طريق الأسفلت، أو للدقة ما تبقى من آثار طريق الأسفلت، والوقت صباح، والفصل بداية موسم الخريف، وصوت نانسي عجاج يداعب الخيال بحداء الجميل طارق الأمين، بلداً هيلي أنا، ضميرا ضميري أنا، السلام يطلع من هنا والحمام يتشابى، طيلة ثلاث ساعات تقريباً من مخرج كبري حنتوب حتى تخوم السوق الشعبي القضارف، كنت أجيل النظر يمنة ويسرى، يمتد ناظري إلى خلف الأفق البعيد، وتمتد الأحلام، الأرض على جانبي الطريق ولمسافة تقارب 300 كلم ممتدة منبسطة مخضرة، حتى جبال الفاو القاسية بدت تتهيأ لأخذ زينة الخصب والنماء، والأشجار على الصخور تقاوم جدب الصيف، يا إلهي حتى أشجار بلادي تقاوم فما بال أهل البلد يتذمرون ويطنطنون وينتظرون حمدوك ليفعل لهم كل شئ ولو شطف مياه برك الخريف!! والمليحات من حسناوات الألمان يحملن الجرافات والمكانس لتنظيف مدينتهن التي لا يبغين عنها عوضاً!

الهمّة العالية هي التي تنجب مولوداً ناضجاً اسمه التغيير، وإذا تعلّق قلب ابن آدم بالثريا لنالها/ نالتها، والأرض المنبسطة تمتد إلى جوف البطانة، وكنوز الثروة الظاهرة زرع وضرع وأنس يا صاحبي أم بحتي الدهب وصوت نانسي يخترق العصب والدم بلداً هيلي أنا…

عند مشارف القضارف وجدنا بعض الصبية والشباب يسدون المعبر على السيارات، يحرقون اللساتك، ويقذفون السيارات بالحجارة إن حاول سائقوها اختراق (الترس)، قيل لنا السبب نزاع حول قطعة أرض، ورواية أخرى تقول بل هو الرفض لوالي الولاية، وثالثة ورابعة تتعدد الروايات والواقعة واحدة، الطريق مغلق وعلى السيارات إتخاذ مسار آخر وعر، على المركبات مسافرون لأغراض شتى، سيدة تعاني من السكري، طفل يتلوى، رجل ستيني على موعد مع الطبيب، وعريس يتمم في مراسم عقد زواجه؛ كحال الطبيب حسنين الذي يقصد عقد قرانه على ابنتنا إسراء ولهذا الغرض كنت في طريقي للقضارف.

هنيئاً للعروسين الزواج، وفي الخاطر مستقبل من سينجبون من أطفال إن شاء الله، أي وطن ينبغي أن نعمل جميعاً من أجل أن يكون لهم وطن؟؟ وكل عام وأنتم بخير.

وما تزال سيرة الفقد فينا متصلة، نفقد الأعزاء والأحباب على مدار اليوم تقريباً، نعى الناعي أخي وصديقي وزميلي الحبيب الأستاذ الطيب ضو البيت، وفي الخاطر مودة وذكرى حبيبة وعشرة ممتدة إلى الأسر.

ألا رحم الله الطيب فقد كان بالفعل اسماً على مسمى في كل تركيبه، طيباً وضواً ليس للبيت فحسب بل لأجيال وأجيال من تلامذته في المدارس والجامعات، والعزاء لأسرته الصغيرة والكبيرة ولكل الأهل والزملاء والأصدقاء ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

تاريخ الخبر: 2021-07-24 20:28:08
المصدر: صحيفة التغيير - السودان
التصنيف: سياسة
مستوى الصحة: 48%
الأهمية: 50%

آخر الأخبار حول العالم

بنك أبوظبي الأول يطلق مزايا حصرية لحاملي الإقامة الذهبية

المصدر: الإمارات اليوم - الإمارات التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-09-26 13:39:11
مستوى الصحة: 57% الأهمية: 50%

إغلاق 56 ‏منشأة‎ ‎تجارية مخالفة في حائل

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-09-26 13:39:18
مستوى الصحة: 48% الأهمية: 52%

سلطنة عُمان : 88 إصابة جديدة بكورونا

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-09-26 13:39:20
مستوى الصحة: 52% الأهمية: 66%

"قنبلة" تعيق الوصول إلى مراكز الاقتراع غربي ألمانيا

المصدر: الإمارات اليوم - الإمارات التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-09-26 13:39:12
مستوى الصحة: 50% الأهمية: 53%

تايوان : 8 إصابة بكورونا ولا حالات وفاة

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-09-26 13:39:42
مستوى الصحة: 55% الأهمية: 69%

الأردن تحذّر الاحتلال من اقتحام اليهود المتطرفين المسجد الأقصى

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-09-26 13:39:30
مستوى الصحة: 47% الأهمية: 68%

زلزال بقوة 4.2 درجات يضرب وسط الفلبين

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-09-26 13:39:40
مستوى الصحة: 54% الأهمية: 59%

رفع 92 سيارة تالفة لتحسين المشهد البصري بالخبر

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-09-26 13:39:23
مستوى الصحة: 59% الأهمية: 55%

المزيد من الأخبار

مواضيع من موسوعة كشاف

تابعني على تويتر