الغائية (بالإنجليزية: Teleology أوfinality) هي استنباط منطقي أوتفسير للشيء بوصفه تابعًا وظيفيًا لنهايته أوغايته أوهدفه، والحدثة مشتقة من المفردتين اليونانيتين: «telos» (النهاية أوالهدف أوالغاية) و«logos» (السبب أوالتفسير). تسمى الغاية التي يفرضها استعمالٌ بشري، مثل الغاية من شوكة الطعام، «غاية غير جوهرية» (أوعلائقية). وتؤكد الغائية الطبيعية -التي شاعت في الفلسفة الكلاسيكية لكنها باتت نقطة خلافية اليوم- حتى الكيانات الطبيعية لديها أيضًا غايات جوهرية، منفلتة من عنطق الاستعمال أوالرأي البشريين. على سبيل المثال، زعم أرسطوحتى الغاية الجوهرية لجوزة بلوط تتمثل في حتى تصبح شجرة بلوط تامة النضج.

على الرغم من رفض الذريين القدامى لمفهوم الغائية الطبيعية، فلطالما خاضت مدارس الفلسفة القديمة والقروسطية في السرديات الغائية حول الطبيعة اللاشخصية أواللابشرية، وغالبًا ما صادقت عليها، بيد حتى هذه المواضيع باتت محط ازدراء خلال العصر الحديث (1600-1900). في أواخر القرن الثامن عشر، استخدم إيمانويل كانت مفهوم الغاية مبدأً ناظمًا في كتابه «نقد ملكة الحكم»، وكذلك كانت الغائية حجر أساس في فلسفة ج. ف. ف. هيغل.

ما تزال النقاشات تدور وسط الفلاسفة والفهماء المعاصرين حول فائدة المسلّمات الغائية ودقتها من عدمهما في طرح الفلسفات والنظريات الفهمية الحديثة. يتجلى أحد أمثلة إعادة إدخال الغائية في اللغة الحديثة بمفهوم «الجاذب»، وكذلك ظهر مثال آخر في عام 2012، إذ اقترح توماس ناغل -وهوليس اختصاصي فهم الأحياء- سرديةً غير داروينية للتطور تدمج بين القوانين الغائية الطبيعية واللاشخصية كي تفسر كينونة الحياة والوعي والعقلانية والقيمة الموضوعية. وبغض البصر عن ذلك، من الممكن أيضًا ألا تُربط الدقة بالمنفعة إذ تفيد الخبرة الشائعة في البيداغوجيا حتى حداً أدنى من الغائية الظاهرية قد يحدث نافعاً للتفكير في التطور الدارويني وشرحه حتى لولم يكن التطور مسيّرًا بدوافع غائية سليمة. وبذلكقد يكون الأسهل حتى ينطق إذا التطور «منح» الذئاب أنيابًا حادة؛ لأن هذه الأسنان «تخدم غاية» الافتراس بصرف النظر عما إذا كان ثمة واقع لا غائي مضمَر لاقد يكون فيه التطور فاعلًا له مقاصد. وبصياغة أخرى، لأن عمليات الفهم والتفهم لدى البشر تعتمد عادةً على البنية السردية للقصص (من فاعلين وأهداف وسببية قريبة أكثر من البعيدة)، فمن شأن سويةٍ دنيا من الغائية حتى تُعَد مفيدةً -أوممكنة التقبل على الأقل- من أجل أهداف عملية، حتى بالنسبة إلى الأشخاص الذين يرفضون اعتبارها دقيقة على المستوى الكوني.

أصل التسمية

المفردة الإنجليزية «teleology» مبنية من مفردتين يونانيتين هما «τέλος, telos» (نهاية أوغاية) و«λογία, logia» (مبحث أودراسة أوفرع معهدي)، وقد صاغ الفيلسوف الألماني كرستيان فون فولف المصطلح (بشكله اللاتيني «teleologia») في عام 1728 ضمن عمله المعنون «Philosophia Rationalis Sive Logica».

نظرة تاريخية

في الفلسفة الغربية، نشأ مصطلح الغائية ومفهومها في كتابات أفلاطون وأرسطو. تعطي علل أرسطوالأربع منزلة مميزة للغاية الخاصة بكل شيء من الأمور أو«علته النهائية»، وبهذا كان قد تبِع مفهمَه أفلاطون في رؤية الغاية الموجودة بالطبيعة البشرية وتحت البشرية.

الأفلاطونية

في الـ«فايدو»، يدافع أفلاطون على لسان سقراط عن الفكرة التي تقول إنه يجب بالتفسيرات السليمة لأي ظاهرة فيزيائية حتى تكون غائية، ويؤنب الذين يفشلون في التمييز بين العلل الضرورية لشيء ما والعلل الكافية له، التي يعرّفها على الترتيب بـ«العلل المادية» و«العلل النهائية» (فايدوص98-99): «تخيل ألا تكون قادرًا على التفريق بين العلة الحقيقية من جهة، وتلك التي لا تكون العلةُ قادرةً دونها على التصرف بوصفها علة من جهة أخرى. يظهر حتى هذه حال الأكثرية، إذ يتصرفون كمن يتلمس طريقه في الظلام، فيسمونها علة مطلقين عليها اسمًا ليس لها. ولهذا قد يحيط شخصٌ ما الأرضَ بدوامة في سبيل المحافظة على ثبات السماء، بينما يجعل آخرُ الهواءَ يدعمها مثل غطاء مديد. أما بالنسبة إلى قدرتهم على شغل أفضل مكان يستطيعونه في هذه اللحظة بالذات، فهذا أمر لا يتقصون عنه، ولا يعتقدون بامتلاكه لأي قوة إلهية، لكنهم يعتقدون أنهم سيكتشفون في وقت ما أطلس آخر أقوى وأكثر خلودًا يتكفل بمتابعة حمل جميع شيء دفعة واحدة، ولا يعتقدون حتى الروابط أصيلة الجودة و(الملزمة) هي ما يربطهم ويجمعهم ببعضهم». - أفلاطون، فايدوص99

يجادل أفلاطون هنا أنه بالرغم من كون المواد التي تشكل جسمًا ما شروطًا ضرورية لحركة هذا الجسم أوتصرفه بطريقة معينة، فهي لا يمكن حتى تكون شرطًا كافيًا لحركته أوتصرفه بالسلوك الذي يسلكه. على سبيل المثال، (كما في فايدوص98)، إذا كان سقراط جالسًا في سجن أثيني، فمرونة أوتاره هي ما يسمح له بالجلوس، ولهذا يمكن تصنيف الوصف الفيزيائي لأوتاره تحت «الشروط الضرورية» أو«الشروط المساعدة» لعمل الجلوس الذي يقوم به (فايدوص99-ب، طيماوس ص46ج9-د4، ص69هـ6). مع ذلك، فما هذه سوى شروط ضرورية لجلوس سقراط. ويكون تقديم وصف فيزيائي لجسد سقراط بمثابة القول إذا سقراط جالس، لكنه لا يعطينا أي فكرة عن السبب الذي أدى به إلى الجلوس في المقام الأول. وفي سبيل القول إنه جالس لا غير جالس، علينا حتى نشرح ما الجيد في جلوسه؛ لأن جميع الأمور التي يُتسبَب في حدوثها (مثل جميع نواتج الأفعال) تحدث لأن الفاعل رأى شيئًا جيدًا فيها.  فيتطلب تقديم تفسير حول شيء ما تحديدَ الجيد فيه، وخصلة الجودة هذه هي العلة العملية لهذا الشيء هي غايته، أو«سبب حدوثه». (طيماوس ص27د8، ص29أ).

الأرسطية

خطّأ أرسطومحاولةَ ديمقراط حصر جميع الأمور بتعريفها على أنها مجرد ضرورة؛ لأن في هذا إهمالًا للهدف والترتيب و«العلة النهائية»، التي تتسبب بوجود هذه الظروف الضرورية: «إن إهمال ديمقراط للعلة النهائية يحصر جميع عمليات الطبيعة في اعتبارها ضرورة فقط. سليم أنها ضرورة، غير أنها موجودة مع ذلك من أجل علة نهائية وفي سبيل الأفضل في جميع حالة. وعليه فما من شيء يمنع الأسنان عن التشكل والتساقط بهذه الطريقة، بيد حتى الرواية التي يسردها هذا النهج لا تغطي هذه العلل وإنما تدور حول النهاية فقط...» - أرسطو، في كون الحيوان، المجلد الثامن، ص789أ8-ب15

في كتابه، «الفيزياء: السماع الطبيعي»، يرفض أرسطوافتراض أفلاطون حتى الكون مخلوق من قبل مصمم ذكي باستخدام أشكال أبدية من نموذجه. بالنسبة إلى أرسطو، تنتج النهايات الطبيعية عن «طبائع» (عناصر تغيير مبدئية داخلية لدى الكائنات الحية)، والطبائع –في زعم أرسطو- لا تتأنى وتدرس أفعالها (أي لا تتعمّدها): «من السخيف افتراض حتى النهايات ليست حاضرة [في الطبيعة] لمجرد أننا لا نرى وسيطًا يتعمّد أفعاله». - أرسطو، الفيزياء 2.8، ص199ب27-9، انظر أيضًا: الفيزياء 2.8-6 حيث تكون «الطبائع» نقيضة للذكاء.

قامت هذه المجادلات الأفلاطونية والأرسطية في المقام المضاد للمجادلات الأقدم التي قدمها ديمقراط وبعده لوكريتيوس، اللذان كان كلاهما مؤيدين لما درجت تسميته اليوم غالبًا بـ«ممضى المصادفة»: «لا شيء في الجسم مصنوع من أجل حتى نستطيع استخدامه، بل الشكل الذي صادف حتى وُجد عليه هوعلة استخدامه». - لوكريتيوس، في طبيعة الأمور، الجزء الرابع، ص833، قارن مع ص822، ص56.

المراجع

  1. ^ Mahner, Martin; Bunge, Mario (2013-03-14). (باللغة الإنجليزية). Springer Science & Business Media. ISBN . مؤرشف من الأصل في 17 ديسمبر 2019.
  2. ^ "CATHOLIC ENCYCLOPEDIA: Teleology". www.newadvent.org. مؤرشف من الأصل في 16 نوفمبر 2018. اطلع عليه بتاريخ 19 يونيو2018.
  3. ^ Júnior, Paulo Pereira Martins; Vasconcelos, Vitor Vieira (2011-12-09). "A teleologia e a aleatoriedade no estudo das ciências da natureza: sistemas, ontologia e evolução". Revista Internacional Interdisciplinar INTERthesis (باللغة البرتغالية). 8 (2): 316–334. doi:10.5007/1807-1384.2011v8n2p316. ISSN 1807-1384. مؤرشف من الأصل في 22 نوفمبر 2018.
  4. ^ Allen, Colin (2003). "Teleological Notions in Biology". Stanford Encyclopedia of Philosophy. مؤرشف من الأصل في 26 سبتمبر 2019. ]
  5. ^ Aristotle, Metaphysics 1050a9–17
  6. ^ هاينز فون فورستر, (1992), Cybernetics. In S. C. Shapiro, Encyclopedia of artificial intelligence, v. 1, p. 310 نسخة محفوظة 14 يناير 2020 على مسقط واي باك مشين.
  7. ^ Thomas Nagel, Mind and Cosmos, Oxford University Press: 2012.
  8. ^ Eric Partridge, , Routledge, 1977, p. 4187. نسخة محفوظة 25 فبراير 2017 على مسقط واي باك مشين.
  9. ^ Wolff, Christian (1728). . Frankfurt and Leipzig (نشر 1732). مؤرشف من الأصل في 25 فبراير 2017. اطلع عليه بتاريخ 20 نوفمبر 2014.
  • غائية - موسوعة لالند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، دار عويدات
تاريخ النشر: 2020-06-02 01:59:40
التصنيفات: غائية, سببية, علم التاريخ, فلسفة, نظريات أخلاقية, نظريات ميتافيزيقية, صفحات بها مراجع بالإنجليزية (en), صفحات بها مراجع بالبرتغالية (pt), قالب أرشيف الإنترنت بوصلات واي باك, بوابة علم الأحياء التطوري/مقالات متعلقة, بوابة فلسفة/مقالات متعلقة, جميع المقالات التي تستخدم شريط بوابات, صفحات تستخدم خاصية P227

مقالات أخرى من الموسوعة

سحابة الكلمات المفتاحية، مما يبحث عنه الزوار في كشاف:

آخر الأخبار حول العالم

عودة رحلات القطارات بين العاصمة والبويرة إبتداء من الغد

المصدر: المحور اليومي - الجزائر التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:26:15
مستوى الصحة: 59% الأهمية: 54%

مجالس بشار، تندوف، أدرار ومعسكر تقاطع العمل القضائي

المصدر: المحور اليومي - الجزائر التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:26:17
مستوى الصحة: 59% الأهمية: 65%

«الهاجري»: مبادرة المملكة جهود مخلصة لتحقيق السلام في اليمن

المصدر: صحيفة اليوم - السعودية التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:39
مستوى الصحة: 41% الأهمية: 37%

«الشرقية» الأولى في «التطوع الصحي»

المصدر: صحيفة اليوم - السعودية التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:41
مستوى الصحة: 44% الأهمية: 43%

الكشف عن ترتيب الأندية التونسية إفريقيا و عالميا خلال شهر مارس

المصدر: تونس الرقمية - تونس التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:33:05
مستوى الصحة: 56% الأهمية: 54%

مدنين:41 إصابة جديدة و4 حالات وفاة بفيروس كورونا

المصدر: تونس الرقمية - تونس التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:33:04
مستوى الصحة: 47% الأهمية: 63%

أمير الشرقية: نعول كثيراً على القطاع الخاص في دعم عجلة التنمية

المصدر: صحيفة اليوم - السعودية التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:37
مستوى الصحة: 33% الأهمية: 37%

تحسّن في حالة الطّقس بداية من هذا التّاريخ

المصدر: تونس الرقمية - تونس التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:33:07
مستوى الصحة: 60% الأهمية: 51%

عام / تعليم تبوك يصرف أكثر من 5 ملايين ريال مستحقات للطلاب والطالبات بالمنطقة

المصدر: وكالة الأنباء السعودية - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:26
مستوى الصحة: 51% الأهمية: 63%

الاتحاد الجهوي للشّغل بنابل يؤكّد إمكانية إقرار إضراب عام بالجهة

المصدر: تونس الرقمية - تونس التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:33:06
مستوى الصحة: 48% الأهمية: 59%

سياسي/ رئيس الوزراء الأردني يلتقي بنظيره المصري

المصدر: وكالة الأنباء السعودية - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:30
مستوى الصحة: 55% الأهمية: 64%

5 اشتراطات للترخيص بـ"المشاغل والمراكز النسائية"

المصدر: صحيفة اليوم - السعودية التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:46
مستوى الصحة: 44% الأهمية: 47%

تدشين عيادة أمراض الدم الوراثية للأطفال بالقطيف

المصدر: صحيفة اليوم - السعودية التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:34
مستوى الصحة: 34% الأهمية: 43%

عام / محافظ ظهران الجنوب يدشن فعاليات أسبوع البيئة

المصدر: وكالة الأنباء السعودية - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:29
مستوى الصحة: 49% الأهمية: 54%

اقتصادي / مؤشر سوق الأسهم السعودية يغلق منخفضاً عند مستوى 9489 نقطة

المصدر: وكالة الأنباء السعودية - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2021-03-23 14:30:28
مستوى الصحة: 55% الأهمية: 56%

منصة الكراس التعليمية