سليمان الجادوي

عودة للموسوعة

سليمان الجادوي

سليمان بن قاسم الجادوي (1287 هـ/1871م - 20 صفر 1373هـ/19 نوفمبر 1951) أحد أعلام النهضة الصحفية في تونس، أصدر عددا من الصحف منها "المرشد" و"أبونواس".

هوسليمان بن القاسم الجادوي ولد في آجيم بجزيرة جربة سنة 1871 وينسب أسلافه إلى بلدة جادوالتي توجد وسط جبل نفوسة بالقطر الليبي.

تفهم مبادئ العلوم على أجداده ثم سافر إلى تونس لمواصلة دراسته في جامع الزيتونة تتلمذ على خيرة المشائخ منهم الشيخ محمد النجار المفتي المالكي والشيخ أحمد بيرم، شيخ الإسلام والشيخ محمد بن يوسف المفتي الحنفي والشيخ عثمان ابن المكي والشيخ مصطفى رضوان وغيرهم اجتهد الجادوي في تحصيل العلوم. فدرس العلوم الفقهية والأدبية والتاريخية وغيرها على فهماء الزيتونة ثم شعر بحاجة إلى المزيد في الفقه الإباضي وأصوله وتاريخه فسافر إلى طرابلس ليدرس على الشيخ عبد الله الباروني في مدرسته بمدينة يفرن بجبل نفوسة بعد ما تشبع بالفقه المالكي لمتابعة تعليمه في الفقه الإباضي ومحاولة الإلمام به فلازم دروس الشيخ عبد الله الباروني لكن لا يوجد في الدراسات التي اطلعنا عليها سفر الجادوي إلى القطر الجزائري والأخذ عن القطب إطفيش مثلما عمل سليمان الباروني المجايل له. وصاحبه في هذه الرحلة زميله الشيخ سعيد بن تعاريت سنة 1314 ه/ 1896 م فلزم دروس الشيخ عبد الله بن يحيى بن أحمد الباروني بمدرسته بالبخابخة وخاصة في الفقه الإباضي والأصولي والعقائدي ودرس عليه آتب السيرة وغيرها. ولما استكمل ثقافته عاد إلى تونس واشتغل بالتجارة وفتح له دكانا بسوق اللفة بالعاصمة فخالف طريقة أجداده ومنهج فهماء الإباضية حيث كانوا لا يفضلون أي عمل على نشر الفهم في الأوساط الجاهلة وغرس روح الدين في الأمة والمحافظة على سلامة المجتمع من الإنحلال الخلقي.

العمل

اشتغل الجادوي بعد عودته من جبل نفوسة في التجارة في تونس العاصمة ودخل عالم الصحافة سنه 1906 لإيمانه بدور الصحافة في التوعية ودعم النضال الوطني وأسس صحيفة "المرشد" لكنها حجبت عديد المرات بسبب مواقف الجادوي المعادية للاستعمار وعطلت نهائيا سنة 1908 . يقول علي بالحاج يحيى " وسجن بسببها الجادوي وغرم فعد بذلك من الأوائل الذين سجنوا من أجل حرية التعبير الصحفي ". وحدثا تعنتت السلطة ازداد الجادوي إصرارا على اللقاءة وصمودا في مواقفه وهوما نستشفه من معاودته تأسيس جريدتين: الأولى تحت عنوان "مرشد الأمة" سنة 1909 واصل فيها توجهه الإصلاحي في أسلوب نقدي ساخر. وقد تعرضت هي الأخرى إلى مضايقات رجال السياسة الموالين للسلطات الفرنسية أنذاك وعطلت ثلاث مرات إلى حتى تعطلت نهائيا في ديسمبر 1950 . والثانية هزلية تحت عنوان "أبونواس" خط فيها الجادوي باللغة العربية الفصحى والعامية واعتمد فيها الأسلوب الساخر في نقده المجتمع التونسي والعالم الإسلامي عموما.

وقد شارك الجادوي في الحياة السياسية وكان من بين مؤسسي الحزب الحر الدستوري سنة 1920 وصديقا لعبد العزيز الثعالبي. وكان من الناشطين النقابيين لكن تم إقصاؤه لاعتباره معارضا بارزا لإدارة الحماية في تونس.

توفي الجادوي في 19 نوفمبر سنة 1951 بضاحية حمام الأنف. مخلفا بذلك حسرة في الأوساط السياسية والصحافية في تونس.


كتاب " الفوائد الجمة في منتخبات مرشد الأمة "

كتاب من الحجم الكبير يحوي 784 صفحة ، نادر، لم يعد في متناول القراء إذ لم تطبع منه منذ سنة 1925 إلا طبعة واحدة على نفقة المؤلف. جمع فيه أبرز الموضوعات التي خطها في جريدتي "المرشد" و"مرشد الأمة" وبعض الموضوعات لمفكرين سياسيين وصحافيين في تلك الفترة . وقد ضم هذا الكتاب 190 منطقا بقلمه. يقول علي بالحاج يحيى في تقييمه الكتاب " يعتبر اليوم مرجعا تاريخيا نادرا في الحركة الوطنية التونسية على المستويين السياسي والاجتماعي والصحفي الثقافي[2]" لأنه وثق من خلال منطقاته جميع الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية في تونس ونفس الأمر ينطبق على القطر الجزائري من خلال الرحلة التي قام بها سنة 1907. ولقد اخترنا نصوصا تصور هذه الرحلة وتعكس الوضع الذي كان تعيشه الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي. فماهي الصورة التي نقلها الجادوي،يا ترى؟ وماهو موقفه منها؟

صورة الجزائر من خلال كتاب "مرشد الأمة"

زار الجادوي الجزائر سنة 1905 في الزمن الذي كانت فيه تحت وطأة الاستعمار الفرنسي وما أحدثه هذا الاستعمار من تغيرات على مستوى المجتمع والسياسة والاقتصاد ومن ثمة فإن هذه النصوص كانت تقوم على المقارنة بين وضع الجزائر قديما وحديثا.

وقد رأى الجادوي حتى الجزائر قد عهدت ازدهارا على جميع المستويات فقد "كان أهلها الأصليون في دعة وهناء، وسعة وثراء، وبسطة وعناء، ونعمة ورخاء، جوامع عامرة، وسماء ممطرة، وأرض عاشبة، وأحياء متقابلة، وأمصار متقاربة، وخيول صاهلة، وسيوف لامعة." [3]

وفي استحضار الجادوي الماضي المجيد الذي يميز تاريخ الجزائر إحالة على الفترة الزيانية التي عهدت فيها البلاد توسعا جغرافيا وازدهارا اقتصاديا وإشعاعا معهديا، يقول محمد الطمار في كتابه تاريخ الأدب الجزائري " فإن تلمسان أصبحت في عهد بني زيان حاضرة من أعظم حواضر الفهم والسياسة بالعالم الإسلامي ونبغ فيها عدد كبير من الأدباء والشعراء الذين استقلوا بملكة التعليم العربي، والفنون عهدت كذلك تقدما كبيرا ووصلت إلى الذروة ومن دلائل تقدمها أيام "أبي حمو" صناعة الساعة المشهورة بالمنجانة". وفترة الدايات التي مكنت من دخول عديد الصنائع المشرقية والهجرية وساهمت في تشييد القصور وبناء الجوامع.

رغم إجماع الباحثين على سياسة التهميش التي سلكتها الدولة العثمانية تجاه الجزائر والمغرب العربي عموما وهجريزها المطلق على المشرق الذي تعتبره القلب النابض للسلطنة آنذاك فإن الفترة الأولى من حكم العثمانيين في الجزائر قد تميزت بشيوع العمران وتطور الزراعة نتيجة الظروف الملائمة والمتمثلة في أرباح الجهاد البحري التي مكنت الأتراك من حيازة الأراضي خارج مدينة الجزائر والانتنطق إليها واستغلالها وهوما ساهم في إعمار المناطق النائية .

كما ساهم نشاط المهاجرين الأندلسيين في ازدهار فحص الجزائر حيث قاموا باستصلاح الأراضي وغرس الأشجار المثمرة بعد حتى قاموا بمد شبكات الماء وقنوات الري [6]. لكن هذه الصورة المشعة بهتت فقد تغير الوضع بعد دخول فرنسا الجزائر سنة 1830 حيث عمل الاستعمار على تدمير البلاد على جميع الأصعدة ونصوص الجادوي تصور الوضع الذي آلت إليه الجزائر بعد سبعة وسبعين سنة من الاحتلال الفرنسي فتحدث عن القطاعات التي عانت بسبب سياسة الاستعمار ونقد المستعمر وسياسة الاستعمار وردود أفعال السياسيين المحليين والموالين لفرنسا.

التعليم

رغم إهمال العثمانيين لقطاع التعليم في الجزائر فإن هذا القطاع ظل ناشطا بفضل المؤسسات التعليمية التقليدية التي كانت تعمل على ترسيخ اللغة العربية والعلوم القرآنية وقد كان تطور المدن الجزائرية لا بعدد سكانها فقط ولكن أيضا بعدد مؤسساتها التعليمية ومدارسها ومساجدها التي كانت تهتم بالتعليم وذلك مثل تلمسان وقسنطينة وبجاية ومازونة ووهران والجزائر وعنابة وبسكرة وفي جميع مدينة من هذه المدن الأخيرة ظهرت عائلات اهتمت بنشر الفهم والحفاظ علي مؤسساته التقليدية المعروفة : المسجد والزاوية والكتاتيب القرآنية التي كانت غالبا فروعا للمساجد والزوايا.

لكن الأمر ساء بعد دخول الفرنسيين الأراضي الجزائرية فقد عمل الاستعمار على نشر الجهل والأمية وسعى إلى محواللغة العربي التي تعد لغة الحضارة الإسلامية التي ساهمت فيها الجزائر طيلة خمسة عشر قرنا بقسط وافر محاولة منها لضرب الهوية العربية الإسلامية والهوية الجزائرية ، خاصة حتى اللغة العربية كانت قريبة إلى اللسان العامي المستعمل في الكثير من الجهات الجزائرية سواء منه ما يعهد باللهجات الجزائرية سواء منه ما يعهد باللهجات العربية العامية أواللهجات البربرية التي تعايشت معها وتفاعلت.[8]

وقد تمكن الفرنسيون من غلق المدارس وإبدال التعليم العربي بالتعليم الفرنسي خاصة بعد ضم الأوقاف إلى أملاك الدولة لتفقد المؤسسات الدينية والتعليمية السند المالي لأن الأوقاف كانت تمثل المصدر الوحيد لتمويلها. ومصدر هذا القرار وعي بقيمة الفهم فقد اعتبر المستوطنون حتى خطورة الجزائري سياسيا ووطنيا تقاس بدرجة تعليمه وتثقيفه لذلك منعوا تعليم اللغة العربية باعتبارها لغة خارجية ولم يسمحوا لأي إنسان حتى يمارس تعليمها أويتولى إدارة مدرسة للعربية أوكتاب لتحفيظ القرآن الكريم إلا بترخيص خاص لا يمنح إلا في حالات استثنائية كما نص على ذلك قانون أكتوبر1894[9] .

نتج عن منع التعليم في بداية القرن العشرين في القطر الجزائري انتشار الجهل والأمية وقد عبر الجادوي عن هذا الوضع بقوله "أما معاهدة الفهم فلا يكاد يوجد لها أثر في تلك الربوع الآهلة إلا ما خاص بالدخلاء وسواء ذلك شرقها وغربها وجنوبها وشمالها" [10] . وقد حمل الجادوي الجزائريين واقع الجهل الذي يعيشونه خاصة أنهم يملكون من الفطنة والكياسة والقدرة ما يؤهلهم لدرء الأمية والرقي بالمجتمع الجزائري. وكان حادا في نقده الوضع التعليمي وحالة الجمود التي عهدها المجتمع كمحاولة منه لاستنهاض الهمم التي كبلها الاستعمار. يقول: "فأي عار أغزر وشنار أكثر من ركوسهم لشوكة الاستكانة وصبرهم على الضيم الطويل وفي مقدرتهم إماطة غشاوة الجهل عن أبصارهم وحمل براقع الخمول عن أعينهم ودفع طارق الوبال والزوال إما بمطالبة ولاة أمورهم بتشييد المدارس لتعليم أبنائهم وإما باستبعاض كيسهم في جدوى ذلك وإما بمعاضدة الطرفين كما هوالمتعارف عند تكوين المشاريع المفيدة لدى الشعوب الناشدة مسببات السعادة والرقي. خاصة حتى "طبيعة طقسهم تقضي على أذهانهم بالفطنة المفرطة والفراسة المبهتة والنباهة العجيبة وكم فيهم من ألمعي عزيز النظير. وكم بينهم من لوذعي كبير. ناهيك بمنثورات فهمائهم رقة. ومنظومات أدبائهم كياسة" .

إن تخصيص الجادوي أغلب نصوص رحلته للحديث عن التعليم وضرورة الإشراف عليه يعكس قيمة التعليم ووعي المؤلف بدوره الفعال في الوصول إلى مراتب متقدمة في العلوم والأخذ بأسباب الحضارة والتطور، لذا نجده يحث الجزائريين على التفهم ويدعوهم إلى تشييد المدارس وإحيائها لأن في إحياء المدارس إحياء للشعوب ورقي للمجتمع ومحافظة على اللغة العربية التي اكتسحتها اللغة الفرنسية. يقول :

"وأنه من العار على الحكومة الجزائرية حتى تصغي لوساوس أعداء الفهم وانتشاره وأن لا تعين أهل الولاية على نشر التعليم الابتدائي الحر. فتقف في سبيلهم بحاجز المنع والإلغاء حتى أصبحت الجزائر الآهلة بنحوخمس ملايين وطنيين وليس بها مدرسة حرة من الحد إلى الحد وراية الجمهورية تقابلك فوق جميع قابلة . وهي راية التمدن والفهم كما يقولون حتى كادت اللغة العربية حتى تكون غريبة في ذلك الفضاء المتسع العامر وصاحب التاريخ العظيم[11].


انتشار الإسلام الطرقي

ساعد انتشار الجهل والقضاء على التعليم انتشار الطرقية والإسلام الشعبي فتحولت الزوايا التي كانت تضطلع بدور تعليمي وسياسي يتمثل في المقاومة وقيادة المظاهرات إلى زوايا تنشر الشعوذة والجهل ومنابر تدعوإلى التخاذل والكسل وأصبحت الطبقة العالمة شبيهة بفهماء الديانات في الأمم القديمة أوفي النصرانية تعيش من جهل الشعب وتستثمره لتكسب قوتها على مرأى ومسمع أعيان البلاد .

وقد حذر الجادوي من خطورة هذا الوضع ونتائجه السلبية على المجتمع الجزائري خاصة حتى هؤلاء الدجالين يقودون الرأي العام ويروجون لمقولات تزهد المسلم في الدنيا وتصور له أهوال يوم القيامة . ومن ثمة فهي تقتل بداخله الخلق وتبعث في نفسه التواكل وتبعده عن التفكير والعمل حتى يتمكن من الخروج من حالة الجمود الفكري التي يعانيها والسعي للحاق بركب الحضارة الغربية والوعي بحالة التخلف التي يعيشها. يقول الجادوي "فويل ثم ويل من المشعوذين الذين اتخذوا تنشيط المهج ذريعة لتطبيق أغراضهم وتتميم مآربهم ولأعيان الجزائر النصيب الأول من هذه التعنية لاشتغالهم باقتناء الجياد المسومة والسروج المزركشة والبساتين النضرة ". وقد نبه الجادوي إلى السلطة الروحية التي يتمتع بها رجال الدين وكيفيه تحكمهم في مصائر الناس وانسياق الناس لهم وجعلهم في مرتبة الإله ينفذون أوامره ويأتمرون بأمره . يقول متحدثا عن إحدى الزوايا " فإذا بقاعاتها غاصة بوفود الزائرين من العرب ورئيس تلك الزاوية أوالمفسدة متجليا في ثياب العزة تلوح على محياه بوارق الهيمنة والوقار يأمر بالجلد والتنكيل ويبرم العفووتخلية السبيل ويغضب على هذا ويرضى على ذاك والناس من حوله يكاد حتى يسجدوا له من دون الله حتى خيل لي أنهم يعتقدون حتى لوشاء صعق الثقلين لعمل[12]"

وقد رأى الجادوي حتى انجراف أهل القطر الجزائري وراء الشعوذة والخرافات وإهمالهم العلوم يحول دون مجاراة الأوروبيين ويساهم في تعميق التخلف . فقد كان السكان في جهالةمهلكة على حد تعبير الجادوي لقاء حضور فعال للأجانب حيث أنهم سيطروا على الإدارة والتجارة والفلاحة . وقد كان وصف الجادوي دقيقا للحالة التي آلت إليها الجزائر سنة 1905 يقول: "فلا تجارة تذكر ولا زراعة تؤثر ولا أرض تحرث وتعمر. ولا معارف تنشر بين أولائك الأقوام الكثيرين حتى حتى المتجول في أنحائهم والمستكشف لأرجائهم لا يرى إلا رواج البضاعة الأجنبية وبوار المهناة الوطنية"[13]


ملكية العقارات

انتبه الجادوي في رحلته إلى ملكية الأجانب للأراضي الجزائرية. فأغلب الأراضي الصالحة للزراعة كانت على ملك الفرنسيين واليهود وبقية الأقليات الأوروبية التي استوطنت الجزائر في حين حتى السكان الأصليين يشتغلون في هذه الأراضي بلقاء . يقول الجادوي : "أماكن البذر مساجة بأعواد مقامة فوقها ألواح منقوشة بأحرف دائرة بين البارون والكونت وقاقو....[14]"

فقد عملت فرنسا منذ دخولها الجزائر على توسيع ملكيتها للأراضي وأصدرت قانون 1863 ثم قانون 1873قارنيه ثم عدلته مرتين سنة 1887 وسنة 1897 وقد مكن هذا القانون الإدارة الفرنسية من مصادرة أراضي الجزائريين بكيفية شرعية في الظاهر وذلك بتسهيل الخروج من الملكية العائلية المشاعة. يكفي حتى يتحيل الأوروبي على صاحب سهم في ذلك الملك مهما صغر ليرغم الآخرين على البيع في ظروف غير ملائمة ويستطيع بمساعدة المحكمة الفرنسية حتى يستولي على المجموع بثمن بخس. إضافة إلى حتى الوضع الاجتماعي المتردي فرض على أصحاب الأراضي بيع أراضيهم من أجل لقمة العيش. ولم تسلم الأراضي العمومية التي كانت تزيد على حساب الأراضي الخاصة من السلب لتصل ملكية المعمرين 687000 هكتارا في عشرين سنة بين 1871 و1890 ونصف مليون هكتار انتقل في ظروف غير واضحة من أيدي الجزائريين إلى ملكية الأوروبيين.

وقد كان الجادوي على وعي بالمشروع الاستعماري الذي كان يسعى إلى تجريد الجزائريين من عقاراتهم يحاول تعزيز حضوره في الجزائر من خلال سلب الأراضي وتشجيع الأوروبيين على الاستيطان في هذا القطر وتقديم الامتيازات حتى ترسخ فيه أقدامها وتستنزف ما تظل من خيراته. ولم تقتصر هذه الملكية على الأراضي الفلاحية بل تجاوزته إلى الجوامع والمدارس التي تحولت إلى كنائس وإدارات فرنسية.

التجنيس

بادرت فرنسا بتشجيع الأوروبين على الإقامة في الجزائر وقدمت امتيازات في سبيل انجاح مشروعها الاستيطاني . وقد خصت فرنسا اليهود بامتياز التجنيس وحينما نقول تجنيس نقول اكتساب اليهود لنفس الحقوق التي يتميز بها المواطن الفرنسي سواء في الأحوال الشخصية أوفي المعاملات أوفي العقود والالتزامات، ويلتزم في اللقاء بكل القوانين التي تعمل بها الدولة التي انتسب إليها. ورغم العداوة المفرطة بين اليهود والمسلمين فإن فرنسا مكنتهم من الجنسية دون غيرهم يقول الجادوي: "على حتى فرنسا قد أنالت مجاوريهم اليهود امتياز الجنسية دون غيرهم وناموس إنصاف ينادي بأحقية الجزائريين وآثرتهم على الإسرائيليين إذ لا منفعة في هؤلاء سوى المزاحمة والمضايقة على عكس الأولين أولئك الذين يستعذبون طعم الحمام وراء صيانة شرف قلية ويرون مناصرتها من أجل الفروض علاوة حتى جدهم مختط البلاد وواضع اليد"[16]

وتفطن الجادوي إلى تعمد المستعمر استفزاز مشاعر المسلمين الجزائريين من خلال حادثة أعطى طريق عمومي بقرب مقبرة إسلامية في تبسة وقد دعت الضرورة إلى أخذ شيء من حافة المقبرة لكن عند الحفر عثر على أثار رومانية وتبين فيما بعد أنها تمتد على مساحة المقبرة . ومن ثمة وجب استكمال الحفر نظرا للقيمة التاريخية لهذه الآثار ومن بين الحفريات عثر على مقبرة رومانية يقول الجادوي : "وأحب من هذا كله (والبقاء لله وحده) حتى اكتشف على مقابر رومانية تحت الأجداث الإسلامية وعاينت بنفسي قبور الرومان تحت لحود المسلمين في الحفائر العميقة بحيث إذا اتى النظر من جهة الحفر تقابله اللحود كبناء ذي طاقين بين اللحد واللحد نحوثلاثة أذرع من التراب"[17]

لكن عملية الحفر لم تحترم الجثث المدفونة حيث لم يتم تحويلها إلى مقابر أخرى وإنما تواصل الحفر وهوما أدى إلى اختلاطها . وقد تألم الجادوي من مشاهدة العظام البشرية الناخرة والجماجم الإنسانية والوجوه الآدمية والقوائم من جسد الإنسان المكرم مبعثرة مهانة ومداسة ومختلطة ببعضها خاصة حتى الدين الإسلامي يحترم الإنسان حيا كان أم ميتا. وهذا الأمر يجرح مشاعر المسلمين في الجزائر وفي العالم الإسلامي عموما ولم يكتف الفرنسيون بهذا الأمر وإنما اتهموا المسلمين بكونهم اعتدوا على المقبرة الرومانية واتخذوها مقبرة لهم. وقد اعتبر الجادوي حتى هذه التهمة باطلة ولا أساس لها من الصحة لأن الدين الإسلامي يحرم دفن الأموات المسلمين في مقابر غير إسلامية كما يحرم دفن المسيحيين واليهود في مقابر إسلامية.

نلاحظ من خلال ما تجاوز عرضه الحس النقدي الذي تميز به الجادوي في نقل ما شاهده في رحلته إلى الجزائر وهذا يشير على وعي هذا المؤلف بمشروع فرنسا الذي عمل على إفراغ المجتمع من جميع ما يساعده على المقاومة والتطور وسعى إلى بث الجهل الشعوذة وسلب الأراضي والتحكم في التجارة والإدارة . لذلك نجد الجادوي يحاول من خلال خطابه الحاد حتى يستنهض الهمم وأن يحث أهل القطر على نشر التعليم وتعميمه لأن الفهم فقط يمكنه من مجاراة الدول الأوروبية فيما وصلت إليه من تطور وفهم ، فبفضل الفهم سيطرت على العالم واستعبدت الشعوب .

وكان الجادوي في جميع كتاباته يعارض السياسة الاستعمارية وكل من يواليهم وهوما زج به في صراعات متواصلة معهم. ولقد كانت رحلته إلى الجزائر رحلة توثيقية كشفت عن الواقع المرير الذي عهدته الجزائر في بداية القرن العشرين ( 1905 ) خاصة حتى الإنتاج الفكري في تلك الحقبة التاريخية كان قليلا وهوما يكسب نصوصه قيمة تاريخية.


الهامش

  1. ^ هادية مشيخي. ". جامعة قاصدي مرباح، ورقلة.
  2. ^ محمد الطمار. تاريخ الأدب الجزائري (ط 1 ed.). الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. pp. ص 109.
  3. ^ عثمان الكعاك. موجز التاريخ العام للجزائر من العصر الحجري إلى الاحتلال الفرنسي (ط 1 ed.). بيروت: دار الغرب الإسلامي. pp. ص.310.
  4. ^ عمار هلال. التعليم في الجزائر: أبحاث ودراسات في تاريخ الجزائر المعاصرة ( 1830 – 1962 ) (ط 1 ed.). الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية. pp. ص 102 – 103.
  5. ^ عبد الله العروي. مجمل تاريخ المغرب. 3 (ط 1 ed.). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي. pp. ص 163.
تاريخ النشر: 2020-06-04 16:03:21
التصنيفات: مواليد 1871, وفيات 1951, أشخاص من جربة, فقهاء الإباضية, إباضيون تونسيون, خريجو مدرسة الزيتونة, تونسيون من أصل ليبي

مقالات أخرى من الموسوعة

سحابة الكلمات المفتاحية، مما يبحث عنه الزوار في كشاف:

آخر الأخبار حول العالم

ليفربول يعلن رحيل أربعة لاعبين في نهاية الموسم

المصدر: الأول - المغرب التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2023-05-17 21:26:56
مستوى الصحة: 56% الأهمية: 54%

تدشين "قلوب آمنة" لتأهيل الفتيات في دار البنات بالأحساء

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2023-05-17 21:25:58
مستوى الصحة: 51% الأهمية: 59%

نيبالي يحطم الرقيم القياسي في تسلق قمة إيفرست للمرة ال27

المصدر: موقع الدار - المغرب التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2023-05-17 21:26:09
مستوى الصحة: 47% الأهمية: 59%

قبل قمة جدة.. نتائج 4 قمم عربية عقدت في المملكة

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2023-05-17 21:25:51
مستوى الصحة: 47% الأهمية: 67%

ضجة بلبنان بعد مهاجمة شيخ لسيدة على الشاطئ ترتدي “المايوه”

المصدر: موقع الدار - المغرب التصنيف: مجتمع
تاريخ الخبر: 2023-05-17 21:26:14
مستوى الصحة: 57% الأهمية: 66%

ليفربول يعلن رحيل أربعة لاعبين في نهاية الموسم

المصدر: الأول - المغرب التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2023-05-17 21:26:51
مستوى الصحة: 49% الأهمية: 60%

حزم الصمود.. عاشر صعود

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2023-05-17 21:25:57
مستوى الصحة: 53% الأهمية: 68%

فيديو.. الحزم يكمل رباعي المتأهلين إلى دوري روشن

المصدر: اليوم - السعودية التصنيف: سياسة
تاريخ الخبر: 2023-05-17 21:26:00
مستوى الصحة: 55% الأهمية: 59%

تحميل تطبيق المنصة العربية